image
د. أحمد عبدالرحمن العرفج
دكتوراه فى الإعلام د. أحمد عبدالرحمن العرفج كاتب
د. أحمد عبدالرحمن العرفج

المدونة

في الدلائل المعرفية.. حتى الشيطان له خصوصية!

أتى على الناس -في عالمنا العربي- حين من الدهر؛ لا يعرفون من مادة «خاص» إلا سيارات النقل.. فهي إما عمومي «أجرة»، أو خصوصي.. وهكذا كانت المفردة تسير في إطارها الصحيح.. حتى استفاق البشر ذات صباح على كلمة «خصوصية»، فدبت كضيف ثقيل الدم، على السطح الإعلامي في كل مستويات خطاباته؛ كلمات لا تدل على معنى، في نفس الوقت الذي تدل فيه على كل المعاني.. إنها مثل المفتاح الذي يفتح كل الأبواب، ولا يصلح لباب واحد.مفردات طارئة اكتشفنا -مصادفة- أنها أسقطت في أفواهنا؛ ونحن نلهو ونلعب في الصباح الباكر.. مفردات من نوعية «لنا خصوصية»، و»خصوصية التجربة»، و»نحن أمة لنا ذاكرة»..!لقد كنا نتمتع بكثير من الغفلة، ووفير من الغباء، حيث لم يتوقف أحد منا سائلا نفسه سؤالا صغيرًا وهو: أين الخصوصية؟.إذا كانت الخصوصية التي يفهمها أي عاقل.. فكل شعوب الأرض تملك خصوصية معينة، تدل على اختلاف، ولكن في ذات الوقت لا تعطي أي تفوق أو تقُّدم.فجمهورية «مالي» -مثلا- لها خصوصية أنها «دولة حبيسة»، لا يحيطها أي بحر، لا بحر شعري، ولا مائي.والصين -كذلك- لها خصوصية أنها أكبر دولة في سواد البشر، وكثرتهم، ومع هذا يمتازون بالحكمة والصمت، وهذه خصوصية ثانية.وجريدة الشرق الأوسط تحمل اللون الأخضر؛ في غلافها الأمامي والخلفي، وهذه خصوصية لها، ولكن هل قَدم هذا (اللون الخاص) علامة بروز، ومباهاة؟.والضب حيوان أحرش لا يشرب الماء، وهذه من خصوصياته، لكنها لم تجعل منه حيوانًا يشبه الأسد.والكلب -الخل الوفي- هو من أسرع الحيوانات ركضًا وجريًا وعدَوًا، وهذه من «خصوصياته»، ومع ذلك لم يشبه الخيل؛ التي عقد في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، فلا يكفي أن نقطع ذيل الكلب، لكي يشبه الحصان... وهكذا!.يقول الكاتب الكبير «عبدالحميد البكوش» -رحمه الله- في كلام كأنه السحر: (إن ما نسميه حضارتنا، هو في ميزان القوة في هذا العصر؛ مجرد تاريخ، وبعض الخصوصيات.. أما في ميزان المنجزات والقدارت؛ فإن كفتنا غير صالحة للترجيح.. ولعله علينا -كعرب ومسلمين- أن نحذر من الانسياق وراء الإحساس بالتمُّيز الحضاري، فليس تمُّيزنا إلا مجرد اختلاف عن الغير، وهو اختلاف لا يدل على أي تفُّوق، ولعل ما ينتظرنا من الأضرار؛ غير عائد إلى استعداد حضارة أخرى للانقضاض علينا، بقدر ما هو عائد إلى احتمال اندفاعنا إلى صدام؛ لا نملك فرصة الكسب فيه).إننا إزاء مرض كبير، يسُّد الأفق، ويجعل على الأبصار غشاوة سميكة، فَمن يسأل نفسه؟ ولماذا؟ ولِمَ؟ طالما أننا قوم لنا خصوصية مفادها (أننا نسأل الناس ونقيمهم ونحدد مصيرهم ونصنفهم، ولا يحق لأحد من البشر أن يسأل عن أخطائنا، أو يصنفنا أو يقيمنا).حسنا .. ماذا بقي ؟بقى القول؛ لقد تذكرت شيئًا مريرًا قرأته قبل سنتين مفاده: أن إبليس -عليه من الله ما يستحق- له خصوصيات كثيرة، لأنه الوحيد، الذي أبى أن يسجد، والوحيد الذي عصى.. والوحيد الذي قال «أنا».. والوحيد الذي خلق من نار.. والوحيد الذي استجاب الله له بطول العمر، وجعله من «المنظرين» إلى يوم يبعث الناس أجمعين.إنها ليست خصوصية واحدة لإبليس، ولا اثنتين ولا ثلاث، بل هي (حزمة) عريضة من الخصوصيات.. أعاذنا الله من كل خصوصية وكبر، وتعالى وتكُّبر.

مقالات ذات صلة

0 0

قانون المزرعة وقانون الكروتة..!

2024-08-18

البشرُ -كلُّ البشرِ- يؤدُّونَ أعمالهم على طريقتَين لا ثالثَ لهما، وهاتان الطريقتان تُسمَّى إحداهما #قانون_المزرعة، والأُخْرَى تُسمَّى #قانون_الكروتة، وحتَّى تتضحَ الأمورُ، دعونا نتحدَّث عن كلِّ قانونٍ ومواصفاتِهِ وتطبيقِهِ على أرضِ الواقعِ. أولًا- قانونُ المزرعة: يقولُ هذا القانون: إنَّ الإنسانَ إذَا أرادَ أنْ يقومَ بعملٍ، فعليه أولًا الإخلاصُ، وعليه ثانيًا الإعدادُ الجيِّدُ، وعليه ثالثًا تجهيزُ وتحضيرُ المواد اللازمةِ لأداءِ المهمَّة، وعليه رابعًا الدقَّةُ والمهارةُ في التنفيذِ، وعليه أخيرًا أنْ يُعطي كلَّ مرحلةٍ من هذه المراحل حقَّها ومستحقَّها من التَّركيزِ والإتقانِ والصَّبرِ. وإذا أردنا أنْ نطبِّقَ هذا القانونَ على أرضِ الواقعِ فإليكم قانون الأستاذة نظميَّة في الطبخِ، فهي تقرِّرُ في الصباحِ ماذا سوف تطبخ، وهنا تأتي الإرادةُ، ثُمَّ تقومُ بتحضيرِ المواد وترتيبها وتقطيعها بكلِّ إخلاصٍ، ثُمَّ تضعها على نارٍ هادئةٍ حتَّى تستوي وفقَ قوانين الطبيعة، إنَّها بذلك تشبهُ قانونَ المزرعةِ، الذي يقوم به المزارعُ من حيث حرث الأرضِ، ورمي البذورِ، وسقي الأرضِ والصَّبر عليه حتَّى يثمرَ ويُخرِجَ الخيراتِ من غرس النباتِ. ثانيًا- قانونُ الكروتة: وهذا القانونُ يقولُ إنَّ الإنسانَ يقومُ بعمله على نظامِ السرعةِ والاستعجالِ، ورمي الأشياء فوقَ بعضها من دونِ إخلاصٍ، أو تحضيرٍ، أو صبرٍ، أو دقَّةٍ في التَّنفيذ، وإذا أردنا مثالًا على هذا، فهي تشبهُ حالتي في المرحلة الابتدائيَّة، فقدْ كنتُ أنسى الموادَّ، وأهملُ المذاكرةَ، وإذا جاءت ليلةُ الامتحان أعلنُ حالةَ الاستنفارِ والطوارئِ، وأسهرُ طوالَ الليلِ، من أجل المذاكرةِ التي لا تثمرُ في هذا الوقتِ الضائعِ، والنتيجةُ النهائيَّةُ هي أنَّني مكثتُ في الابتدائيَّة أكثرَ من عشرِ سنواتٍ، في حين أنَّ أقراني قد أنجزُوها في ستِ سنواتٍ، وبعضهم في خمسٍ. ولو أردنا تطبيقَ الكروتةِ على الطبخِ، سأذكرُ لكم طريقةَ طبخِ صديقي «أبي نوح»، فهو يستيقظُ في الظهيرةِ، ويذهب إلى الثلاجةِ، ويلمُّ ما بها من أغراضٍ، ويرمي بها في قدرِ الضغطِ، وبعد نصفِ ساعةٍ يفتحُ ويأكلُ الطَّعامَ الذي كَرْوَتَهُ، ليكونَ عالي الوجبةِ سافلهَا، وسافلهَا عاليهَا. حسنًا ماذا بقي: بقيَ القولُ: يا قومُ أخبرُوني هل أنتمْ على وفاقٍ مع قانونِ المزرعةِ أم قانونِ الكروتةِ؟!

0 1

حين ضاع تاريخ ميلادي..!

2024-08-18

كالعادةِ، يتفاعلُ المحبُّونَ والأصدقاءُ والمتابعُونَ والمتابعاتُ، مع ما يُطرحُ في برنامج #ياهلا_بالعرفج، الذي يأتي على قناةِ روتانا خليجيَّة. وفي هذا الأسبوعِ رويتُ في فقرة الحِكاية قصَّتي مع تحديدِ تاريخ ميلادي، وهي قصَّةٌ طويلةٌ ألخصُها بأنَّني سألتُ أمِّي -رحمها الله- متى وُلدتُ؟ فقالت: اسأل خالتكَ فلانة، فهي التي ولَّدتك، فسألتُ خالتي -رحمها الله- فقالت: أنتَ أكبرُ من ابنتِي فلانة بأربعةِ أشهر، حينها تركتُ تاريخ ميلادي، وانطلقتُ أبحثُ عن تاريخ ميلاد فلانة، فدخلتُ في سنواتٍ كثيرةٍ، من ضمنِها سنة الغُرفة، وسنة الجدري، حتَّى وصلتُ إلى سنة تُسمَّى سنة نِهاق الحمير..! عندها أقفلتُ الملفَّ، وبدأتُ أبحثُ عن وسيلة أخرى أكثر دقَّة، وهذا الأمر جعل مكتب الأحوال في بريدة يحوِّلني إلى المستشفى، وفي المستشفى تمَّ تسنيني وجعلي من مواليد ٧/١. حين رويتُ هذه القصَّة تفاعلَ معها البعضُ، ومن ضمنهم الأستاذ الأديب القدير «صلاح بن هندي»، حيث أرسل لي رسالةً يقول فيها: في برنامج (ياهلا بالعرفج) الذي يقدِّمه الأستاذ الجميل مفرح الشقيقي في قناة روتانا، تحدَّث #عامل_المعرفة: أحمد العرفج عن يوم ميلاده، الذي لا يعرف تاريخه بالتَّحديد، سوى أنَّه من مواليد ٧/١، وقد يكون في تلك السنة (6) نوفمبر، وكان حديثه مشوِّقًا كعادته، فذكَّرني ببعض النُّصوص الدِّينيَّة والأدبيَّة التي تطرَّقت ليوم الميلاد، من ذلك ما قاله الحسنُ البصري (١١٠): يا ابن آدم، طء الأرضَ بقدمِكَ فإنَّها عن قريبٍ قبركَ، مازلتُ في هدم عمرِكَ منذُ أنْ سقطتَ من بطنِ أمِّكَ!، وهي نظرةٌ وعظيَّةٌ صِرفةٌ، لكنَّها جاءت بقالبٍ أدبيٍّ أنيقٍ رغم قسوتها على النَّفس!. أيضًا يقولُ الشَّاعرُ كامل الشناوي عن يوم ميلاده: عدتَ يا يومَ مولدِي.. عدتَ يا أيُّها الشَّقي! الصِّبَا ضاعَ مِن يَدِي.. وَغَزَا الشَّيبُ مِفْرَقِي! ليتَ يا يومَ مولِدِي.. كنتَ يومًا بِلَا غَدِ!. وقد غنَّاها فريدُ الأطرش بصوتِهِ الشجيِّ وروحِهِ المعذَّبةِ! أمَّا ابن لعبون فيقول عن طفولته: ضحكتِي بينهمْ وأنَا رضيع مَا سوت بكيتِي يومَ الوداع!. وكانَ جدِّي علي بن هندي -رحمه الله تعالى- يقول لي: قالُوا للمُوصِف «الحكيمِ»: متى علمك بالسَّعادة؟، قال: يومَ كانَ طولُ ثوبِي شبرًا!. وهي نظرةٌ تشاؤميَّةٌ للحياة، ولِمَا بعد الميلاد، وهذه النظرةُ كانتْ عند الإغريقِ أيضًا، فقد قِيلَ لميداس: ما خير للإنسان؟ قال: أنْ لا يُولد!!، قِيل وإنْ وُلد؟ قال: أن يموتَ صغيرًا!. ومعلومٌ أنَّ الفيلسوفَ البلغاريَّ (ايميل سيوران) يرى أنَّ مصيبةَ الإنسان ليست في الموتِ، بل في أنْ يُولد من الأصلِ!. أمَّا أنَا فأقولُ في يومِ ميلادِي وقد نظرتُ إليه نظرةَ تفاؤلٍ: عيدُ ميلادِي غدًا.. آهٍ ما أحَلَى لقَاهُ! فغدًا أوَّلُ يومٍ.. لي في هذِي الحِياة! كانَ يومًا عبقريًّا.. ليسَ يعنينِي سواهُ!. وفي النِّهاية أقولُ: شكرًا لعامل المعرفة العرفج على هذه الدُّرر الأدبيَّة التي ينثرُها تارةً، وينظمُها أُخْرَى في سمط هذا البرنامج الأثيرِ لديَّ. حسنًا ماذا بقِيَ: بقِي القولُ: ما أجمل المُتابع المُنتج، والقارئ المُثمر الذي يتفاعل مع ما يقرأ بشكلٍ حيويٍّ، سواء كانَ في جانبِ المدحِ، أو في جانبِ القَدْحِ.

التعليقات (0)

اضف تعليق